حدث بالفعل
لم يخطر ببالى قت أننى سوف أُهان وأُسب فقط لأنى من أصل مصري، و الأغرب من ذلك أن تأتينى مذمتى من شخص يتحدث بلسان عربى، لكن بلكنة أخرى ليست مصرية و هنا في وطننا المختار، الذى رجونا منه حياة أفضل و أهدأ و أكثر إنسانية.
الحكاية بدأت في أحد أيام الأسبوع الماضى عندما وصلت إلى ساحة انتظار السيارات أمام أحد محلات بيع السلع الغذائية الكبرى للمستهلكين العرب بشكل عام، بمدينة مسيسوجا العامرة بكل العرب، حيث قمت بصف السيارة بجانب مكان خاص بأصحاب الإعاقات والذى يجرم القانون استخدامه من قبل الأشخاص العاديين، و لكن الأهم أنه يجب عدم استخدامه في المطلق بشكل إنسانى، احتراما و مراعاة لمن يحتاجه. وكان في ذلك الوقت خاليا من أي سيارة.
بعد أن انتهيت من شراء احتياجاتى ذاهبا لأستقل سيارتى، مرورا على بعض المتسولين، اللذين تراءوا لى بصحة جيدة و في عمر يسمح لهم بالعمل، حين أقتربت منها وجدت سيارة أخرى متوقفة بجانبى و لكن قريبة جدا من سيارتى بحيث يصعب عليا الدخول فيها، رغما عن المساحة الكبيرة جدا المخصصة لمكان انتظار المعوقين. لكنى منحت العذر لصاحب هذه السيارة. عندما أقتربت أكثر لاحظت أنه لا يوجد أي علامات تشير إلى أن هذه السيارة مصرح لها بالانتظار في هذه الأماكن المخصصة، أقتربت أكثر متفحصا السيارة من كل جانب، لعلى أرى التصريح الذى يصدر لهذا الشأن، لم أرى شيئا، نظرت محرجا من خلال الزجاج لعله هناك شيء يشير إلى أحقية السيارة في الانتظار بهذا المكان، لكن النتيجة نفسها لا يوجد دليل واحد يعطى الحق لقائد هذه السيارة في الانتظار بهذا المكان.
عندما تمكنت بعد جهد من الدخول إلى سيارتى سحبت ورقة وقلم و كتبت رسالة باللغتين العربية و الإنجليزية معاتبا صاحب السيارة على استخدامه لهذا المكان الخاص.
بعد أن تركت الورقة تحت المسّاحات الامامية، وإذ بى أهم بالتحرك بسيارتى لمحت شخصا قادما باتجاه السيارة التي بجانبى، ينظر بغضب ممزوج بالدهشة إلى السيارة المخالفة، عندما اقترب تماما جذب الورقة من تحت المسّاحات و قام بإلقائها على الأرض بدون النظر إليها.
كان راجلا متوسط الطول قوى البنية في العقد الرابع من عمره تقريبا، ذو ملامح غاضبة، و شعر و لحية بلون فاتح جدا كأنه أشقرممزوج بحمرة و بشرة بيضاء، تشير إلى أصول ربما تركية أو شركسية كما نقول عليهم ببلادنا العربية، و خاصا اللذين أصولهم من شمال العراق أو سوريا.
أنزلت زجاج نافذتى الامامى موجها حديثى له بكل أدب، سائلا بالإنجليزية،
- سيدى هل انت معاق بدنيا؟
- أجاب، لا - بالإنجليزية
- سألته مرة أخرى، لماذا تركت سيارتك هنا إذا؟
- نظر إلى بغضب شديد مجاوبا، هذا ليس من شأنك، وأغرب عنى الأن حتى لا أؤذيك. (باللكنة الإنجليزية الصادرة من متحدثى العربية - ليست المصرية)
- إذا انت شخص غير ملتزم و غير مسؤول، و كان ردى بهدوء بالعربية المصرية...
وإذ به ينهال على بالسباب والتهديد بالإيذاء الجسدى بلكنته التي تشير إلى أنه من إحدى البلدان العربية بالقارة الاسيوية وخاصا من الدول التي بها صراعات مسلحة كبيرة جدا المتاخمة لتركيا.
ثم تحول هذا السباب إلى هجوم على مصر والمصريين ووصفهم بأقذع الكلمات والإهانات!!
لوهلة أصابنى الذهول مما أعقد لسانى عن الكلام، مددت يدى باحثا عن هاتفى المحمول لكى التقط صورته أو لوحة أرقام السيارة، لكن من شدة هول المفاجأة و عدم تصورى أن يصل الأمر إلى هذا الشكل من خطاب كراهية و إساءة لشعب كامل و دولة، سقط الهاتف أسفل مقعد السيارة، و عندما طالته يدى، إذ بهذا الشخص يستقل سيارته و يغادر المكان بسرعة كبيرة، مما لم يمكننى من التقاط أي صورة.
* * * * * * * * * * *
شعرت بغصة شديدة في حلقى، لأسباب كثيرة دارت سريعا بخلدى ...
كيف يصل أحد إلى هذا الحد من الكراهية لشعب ما، ماذا صنعنا لهم كى يُعَبّروا عن غضبهم من شعب بأكمله وبلد لمجرد عتاب او تنبيه على أهمية مراعاة القوانين! على الرغم من أنه يجب التنويه هنا أن مثل هذا الحدث لا يمثل أي مجتمع آخر أو خلفية بعينها كاملة، لكن له دلالات عدة وخاصا أنه هناك أمثلة سابقة شبيهة بهذا الموقف حدثت من قبل هؤلاء القلة القليلة
كيف يستبيحون عمدا مخالفة القوانين في بلد أعطت لهم مسكنا آمنا لهم ولأسرهم، منحتهم تعليم و رعاية صحية عاليا المستوى بالمجان، و أنقذتهم من كوارث إنسانية و حروب.
لماذا يريدون ممارسة السلوك الغير حضارى والتمسك به بدلا من محاولة الالتزام بسلوك متحضر، لماذا يأتي بعض المهاجرون إلى هذه الأرض حاملين فى حقائبهم كل ما هو سيئ من أفكار وعادات وسلوكيات.
من المفترض أن العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة من التداول، لكن في هذا الزمن أصبح الرديء هو القاعدة والجيد يحاولون القضاء عليه.
قدت سيارتى عائدا الى دارى وعزائى الوحيد هو تمسكى بما أراه صحيحا أخلاقيا و اجتماعيا، مرددا قول المتنبــى
" وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ
فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ "
