ردا عل مقال الاستاذ عبد المسيح يوسف
احييك علي مقالك الهادف وتطرقك لهذا الموضوع الذى يؤرقنا جميعا منذ زمن بعيد.. ولطالما حاولنا أن ننتهج فكرك هذا بتشجيع المجتمع القبطى على المشاركة الايجابية فى العمل السياسى بكندا، واسمح لى أن أسلط الضوء على هذه المسألة من ناحية اجتماعية وسيكولوجية لعلهما يساعدا على فهم إشكالية الاقباط، في العمل السياسى. (وإن كنت أفضل استخدام وصف طائفى أكثر كمسيحى، لأن كل من هو مصرى وليس من أصل عربى فهو قبطى).
دعنا أولا ننظر لحال مسيحيو مصر تجاه العمل السياسي في مصر نفسها منذ عدة عقود، ستجدهم بعيدين تماما عن العمل السياسى، ربما يكون القليل منهم أعضاء في بعض الاحزاب السياسية لكن دون عمل فعال أو نشاط شعبى، وحتى من يدخل البرلمان منهم او مجلس الشيوخ فهو بالتعيين وليس الانتخاب، ربما مقعد واحد كل 30 سنة بالانتخاب. حتى الوزراء ففي أغلب الأحيان يكون الاختيار كوزير دولة لمجرد الشكل فقط، وبالطبع لا يمكن أن يتم اختيار وزيرا مسيحيا لوزارة سيادية.
لكن لماذا وصل المسيحيون في مصر لهذا الحال، بعد أن كانوا أعضاء برلمان وحتى رؤساء وزارات قبل الثورة و حتى في أوائل حكم عبدالناصر!!
مع ازدياد الفجوات الاقتصادية في عصر الانفتاح و بداية عمليات اسلمة الحياة المصرية و المد الوهابى و مجتمعات البترودولار، أصبح الضمان في الحياة و الأمان للأقليات "المسيحية" حسب تصورهم و سنناقش ذلك لاحقا، مرهون بعاملين وحيدين فقط، الثروة أو التعليم العالى و خاصة كليات القمة، لذلك وجد المسيحيون المصريون في ذلك الملاذ الآمن، و لتحقيق هذا الهدف كان لابد أولا التفرغ الكامل للعلم او جمع الثروة، و أهم اشكال التفرغ هو الانعزال التام عن السياسة و تجنب حتى الحديث عنها، و بدأت تنشأ أجيال جديدة من المسيحيين لا تعرف شيئا عن العمل السياسى أو الشعبى، و أمست الكنيسة هي المصدر الوحيد للحياة الاجتماعية في شكل مدارس الأحد، دروس الكتاب و اجتماعات الشباب و حتى اجتماعات الخريجين. بذلك تم عزل الشباب بالكامل ليس فقط عن العمل السياسى ولكن عن حتى ادراك وفهم الحياة السياسية من حولهم، و تُركت الساحة بالكامل لشباب و رجال الحزب الحاكم في مواجهة كافة التيارات و الحركات الدينية الفاشية الرجعية. وأتذكر أن أصدقائى في هذه الفترة في مرحلة شبابنا كانوا يسخرون منًى بسبب اهتمامى و عملى المباشر بالسياسة.
لكننا لابد أن نشير الى انه بعد ثورتى 2011 و 2013 تبدلت و تغيرت مفاهيم كثيرة في المجتمع المسيحى و أدركوا بعد زمن طويل أنهم ليسوا أقلية و لا أهل ذمة و لا كل هذا الخرف والهذى الذى حاولت الأنظمة السياسية و التيارات الفاشية المتطرفة زرعه في عقول المسيحيين على مدى عقود طويلة و نجحت في ذلك، و الذى ساهمت فيه الكنيسة (ربما بقصد أو بغير قصد) في ترسيخ مبدأ الأقلية، و محاولة إرضاء النظام الذى أقنع الكنسية أنه الحارس الوحيد للمسيحيين من همجية و بطش التيارات السلفية و الاجنحة العسكرية لكافة التنظيمات المتأسلمة.
و في مرحلة ما قبل ما سنطلق عليه عودة الوعى للمسيحيين المصريين أثناء ثورتى 2011 و 2013 ، كانت هناك موجات هجرة كبيرة من المسيحيين و خاصة اللذين كافحوا بشدة للحصول على التعليم العالى أو جمع ثروات كبيرة و خاصاَ في في ثمانينيات و تسعينيات القرن الماضى و العقد الأول من القرن الحالي.
هؤلاء هم الأجيال التي أبعدت عن العمل السياسى وحرمت منه بل يمكننا القول أنهم لا يملكون أدنى متطلبات العمل السياسى أو الشعبى أو التعبوى او حتى ادراك و فهم عمل جماعات الضغط السياسى و التأثير الشعبى أو عمل جمعيات و هيئات المجتمع المدنى.
و لكن لمجرد تواجد المهاجرين تحت مظلة حكم ديمقراطى يؤمن ظاهريا فقط بالمساواة و العدل و التعددية و قبول الآخر، تصوروا أنهم قادرين على تحقيق كل ما فاتهم في الحياة السياسية و أنهم سيكونون الأفضل، ليس بناءا على المعرفة و الخبرة السياسية و لكن تصورهم أن الثروة أو الشهادة العلمية المحصورة في كليات القمة (بالمفهوم المصرى طبعا) تعطيهم الصلاحية، دون غيرهم، في ممارسة العمل السياسى و التفوق فيه. كما أن هذا الشعور الزائف بالتفوق جعلهم غير عابئين برأى آخر او بنصيحة من أصحاب الخبرة أو المعرفة، مستأثرين بمعرفتهم فقط.
لذلك أتفق تماما مع الرأي بأنه لابد من إعداد أجيال حديثة يتم تنشئتها سياسيا بطريقة ممنهجة و علمية لتصل بنا الى ما نريد أن نكون عليه.
أما بخصوص لماذا نضع كل البيض في سلة واحدة فهذا حديث أخر..
تحياتى،،،
